لم تكن الجزية اختراعًا إسلاميًّا محضًا؛ فقد كانت الدولة الرومية والفارسية تفرضها على الشعوب المقهورة, وكانت في شكل ضرائب متنوعة تُفرض على الكبير والصغير, والقوي والضعيف, والحي والميت؛ فقد كانت هناك ضريبة تسمى ضريبة الحياة, وذلك لمن مَلَكَ رأسه فوق جسده! وضريبة الموت تُفرَض على أسرة الميت من أجل المكان الذي يُدفنُ فيه صَاحِبُهم, وضريبة التجارة والزراعة والسكن. وكانت هذه الضرائب باهظة بغرض استنزاف أموال البلاد المنكوبة بالاحتلال, ومن ثَمَّ إضعافها لكي لا تصبح قادرة على مواجهة الدولة المحتلة. أما الدولة الإسلامية فقد خالفت النظام الدولي الذي كان سائدًا في هذا الزمن, وهو تخريب البلاد المغلوبة وقتل أهلها, واستعباد من يبقى من القتل, فوضعوا لهذه الشعوب حقوقًا وواجبات تحفظ حياتهم وأموالهم, وسَمَّوا سكان البلاد بأهل الذمة, كما أن الجزية عند الأمم السابقة لم تكن تمنع دافعيها من تجنيدهم في جيش الغالبين, وإراقة دمائهم في سبيل مجد الفاتحين وامتداد سلطانهم, فكانوا يدفعون الجزية ويُساقون إلى الحرب مرغمين! ولكن الإسلام أعفاهم من الخدمة في الجيش[1]. ولم يكن يتم أخذ الجزية إلا من الرجال الأحرار العق...